تحقيق حول الإسلامفوبيا

أسطورة الخطر الإسلامي في هولندا..الجذور الثقافية والمصالح السياسية

المصير - قسم التحقيقات:ةخلال الفترة الفاصلة بين سنتي 2002 و2006، وقعت مدينة روتردام تحت حكم اليمين المتشدد ممثلا في حزب "روتردام ملائمة للعيش" الذي أسسه السياسي الشعبوي الراحل بيم فورتاون، وكان من بين المشاريع البلدية التي طرحت على مواطني المدينة في ذلك الوقت، مشروع "الحوار مع المسلمين"، حيث كان أبناء الأقلية المسلمة مجبرين في إطار هذا الحوار على الإجابة على سؤال يطالبهم بتحديد موقفهم من علاقة الفصل بين الدين والدولة، أي الموقف من الأساس العلماني للدولة الهولندية؟.نقطة
في حينها بدا السؤال، خصوصا لبعض المسلمين، غريبا نوعا ما، فبرأيهم لا يعتقد أن في نية أحد من أفراد الجاليات المسلمة، تغيير شكل الدولة الهولندية أو أسس الحكم فيها، وغاية ما يطمح إليه إسلاميا حسب ما يراه هؤلاء، هو الحفاظ على هوية ثقافية ودينية من خلال الوسائل التي تسمح بها القوانين السارية، ناهيك عن أن يفكر البعض مثلا في تحويل هولندا إلى دولة إسلامية، أو أسلمة هولندا كما سيشير لاحقا إلى ذلك قادة اليمين الشعبوي الجديد.نقطة
ما بدا للبعض في البداية سؤالا ساذجا، سيتبين فيما بعد، أنه سؤال جدي، بل لقد تحول لدى بعض السياسيين الهولنديين إلى برنامج سياسي وحزبي رابح، يجني واضعوه ومرددو الشعارات المنبثقة عنه، من جرائه أرباحا طائلة، أقلها تسعة نواب في الغرفة الثانية الرئيسية للبرلمان وشهرة محلية ودولية واسعة النطاق في زمن قياسي، وحراسة أمنية مشددة على مدار الساعة تكلف دافعي الضرائب الهولنديين ملايين اليوروات سنويا.نقطة
يشعر كثير من المسلمين اليوم، أنهم أضحوا "ملطشة" لكل من يريد تحقيق أرباح سياسية وشهرة إعلامية في أسرع وقت ممكن، ويضربون مثلا ب"بيم فورتاون" و"خيرت فيلدرز" و"أيان هرسي علي" و"إحسان جامع" و"ريتا فيردونك" وغيرهم، ممن اختار السير في طريق الهجوم على الإسلام والمسلمين، والانخراط في تجارة الخوف، عبر إخراج فزاعة البعبع الإسلامي الهمجي المتربص بهولندا خاصة، والغرب بوجه عام، من الجراب. غير أن الاتجاه الغالب داخل الأقلية المسلمة ما يزال يرى بأن أفضل وسيلة لمقاومة ظاهرة التخويف من الإسلام، هي تجاهل أصوات اليمين المتشدد وعدم الانجراف وراء ردود فعل عنيفة ضدهم، لأن ذلك سيحقق لهؤلاء مرادهم في مزيد من الشهرة، بالإضافة إلى العمل من أجل بيان الصورة الحقيقية للعقيدة الإسلامية، التي هي عقيدة دينية سمحاء ومسالمة، تدعو إلى الحوار مع غيرها بالحكمة والموعظة الحسنة.نقطة

االتخويف من الإسلام حالة عنصرية

وبالموازاة مع رؤية الاتجاه العقلاني داخل الأقلية العربية والإسلامية، لم تخلو الساحة الهولندية من تيار غالب حكوميا وبرلمانيا ونخبويا، يدعو إلى التحذير من وجود خلفية عنصرية وراء حملات التخويف من الإسلام، وبهذا الصدد يقول ميشيل هوبنك الصحافي في إذاعة هولندا العالمية :" لقد تزايد الخوف من الإسلام، كما تزايد التمييز ضد المسلمين في كل أنحاء أوربا، ولا تشكل هولندا استثناء في هذا المشهد حسب الشبكة الأوربية لمناهضة العنصرية، ففي تقريرها لعام 2006 الذي صدر مؤخرا، تم رصد اتجاه مثير للقلق يعتبر أن الإسلام والمسلمين خطر على المجتمع".نقطة
ويضيف هوبنك قائلا: يمكن القول أن الخوف من الإسلام في تصاعد في كل أوربا مصحوبا بميل للتمييز ضد المسلمين، إلى جانب تزايد المنظمات العنصرية، وهو ما يعرب عنه تقرير الشبكة، حيث يؤشر لقلق تجاه تنامي فوبيا الإسلام وتسربها من حركات الهامش السياسي إلي المجرى الرئيسي للسياسة في أوربا، حتى أنها استشرت بين صفوف الأحزاب السياسية الكبيرة المستقرة، كما دأب بعض الساسة على ممارسة التمييز العنصري والتفوه بعبارات عنصرية ولا يستثني من ذلك حتى بعض ساسة الاتحاد الأوربي".نقطة
ويشير الصحفي الهولندي إلى "أن التمييز العنصري قد تفشى في سوق العمل، وأيضا في مجال التعليم والعناية الصحية، والحصول على السلع والخدمات، وعلى سبيل المثال فإن اغلب البنوك ترفض إقراض المال للحاصلين على إقامة مؤقتة، مثلما تتزايد العنصرية و الاسلاموفوبيا في الإعلام الهولندي أيضا".نقطة

المسيحيون العرب ضد الإسلامفوبيا

رفض الإسلامفوبيا لا يقتصر على الإعلاميين والأكاديميين الهولنديين، بل يشمل أيضا أبناء الأقلية العربية من غير المسلمين، حيث كتب رءوف مسعد الكاتب والروائي المصري القبطي المقيم في أمستردام، يقول:"من الملاحظ في الآونة الأخيرة ولأسباب شخصية ولحسابات سياسية وحزبية ضيقة؛ تزايد وتيرة الاسلاموفوبيا التي كانت تحتكرها الصومالية السيدة إيان هيرسي علي، وورثتها بعض الشخصيات الهولندية الضعيفة سياسيا وحزبيا مثل خيرت فيلدرز الذي يملك حزبه تسعة مقاعد فقط في البرلمان الهولندي أو السيد المجهول للجميع احسان جامي مؤسس ما اسماه لجنة المسلمين السابقين .. وكلاهما يبحثان كما يبدو عن دور يقرباهما من الأضواء .. وليس هناك بالنسبة لهما من فرصة افضل من الإساءة المتكررة إلى الإسلام وتصعيد لهجة العداء لرموز الإسلام المقدسة مثل القرآن".نقطة
ويشير الصحفي الهولندي إلى "أن التمييز العنصري قد تفشى في سوق العمل، وأيضا في مجال التعليم والعناية الصحية، والحصول على السلع والخدمات، وعلى سبيل المثال فإن اغلب البنوك ترفض إقراض المال للحاصلين على إقامة مؤقتة، مثلما تتزايد العنصرية و الاسلاموفوبيا في الإعلام الهولندي أيضا".نقطة
رفض الإسلامفوبيا لا يقتصر على الإعلاميين والأكاديميين الهولنديين، بل يشمل أيضا أبناء الأقلية العربية من غير المسلمين، حيث كتب رءوف مسعد الكاتب والروائي المصري القبطي المقيم في أمستردام، يقول:"من الملاحظ في الآونة الأخيرة ولأسباب شخصية ولحسابات سياسية وحزبية ضيقة؛ تزايد وتيرة الاسلاموفوبيا التي كانت تحتكرها الصومالية السيدة إيان هيرسي علي، وورثتها بعض الشخصيات الهولندية الضعيفة سياسيا وحزبيا مثل خيرت فيلدرز الذي يملك حزبه تسعة مقاعد فقط في البرلمان الهولندي أو السيد المجهول للجميع احسان جامي مؤسس ما اسماه لجنة المسلمين السابقين .. وكلاهما يبحثان كما يبدو عن دور يقرباهما من الأضواء .. وليس هناك بالنسبة لهما من فرصة افضل من الإساءة المتكررة إلى الإسلام وتصعيد لهجة العداء لرموز الإسلام المقدسة مثل القرآن".نقطة
ويضيف مسعد في مقال نشره مؤخرا " أن الفكرة السخيفة التي أصدرها فيلدرز بتحريم تداول القرآن إلا للأكاديميين باعتباره نصا يحض على الكراهية؛ هي فكرة حمقاء لأن فيلدرز تجاهل التوراة والأناجيل وهي أيضا تحض على كراهية الآخر هذا إذا ما تعاملنا مع الكتب المقدسة بحرفية النص ، فالتوراة تعلن مرارا وتكررا أن الله اصطفى اليهود ليكونوا شعبه المختار من دون بقية الشعوب بل ان اللقب الرسمي لله سبحانه وتعالى في التوراة هو " رب الجنود " أي جنود بني اسرائيل الذي يأمرهم قائدهم الإلهي حينما ينتصرون على شعوب وقبائل أخرى " لا تقطعوا معهم عهدا ولا تتحنوا عليهم ولا تصاهروهم ..بل ها ما تفعلون به تهدمون مذابحهم ،وتحطمون أصنامهم فأنتم شعب مقدس للرب إلهكم الذي اختاركم من بين جميع الشعوب التي على وجه الأرض " سفر التثنية - الإصحاح السابع - من الآيات رقم 2 وحتى رقم .نقطة
أما في الإنجيل – يقول مسعد- فنقرأ للقديس بولس " فلتصمت نساؤكم في الكنائس فلا يجوز لهن التكلم وعليهن ان يخضعن كما تقول الشريعة .فإن أردن ان يتعلمن شيئا فليسألن أزواجهن لأنه عيب على المرأة أن تتكلم في الكنيسة " ( الرسالة الى كورونثوس الأولى - الإصحاح 14 - الآيات من 34 حتى 36 ) وكذا " ايتها النساء اخضعن لأزواجكن كما تخضعن للرب " الرسالة الى افسس - إصحاح 5 الآيات 21 حتى 23. وإذا كنا نتحيز ضد بعض الأئمة الذين يعادون المثليين الجنسيين فتعالوا نقرأ ما يقوله القديس بولس " فلا الزناة ولا عباد الأوثان ولا الفاسقون ولا المبتلون بالشذوذ الجنسي ولا السارقون ولا الجار ولا السكيرون يرثون ملكوت الله " ( المصدر السابق - الإصحاح الخمس - الآيات من رقم 9 حتى 11) أي ان كل هؤلاء لن يدخلوا الجنة.نقطة
ويكشف مسعد جهل تجار التخويف من الإسلام، حيث يقول ": السيد جامي يتحجج بأن الإسلام يعاقب المرتد، فعليه أن يقرأ ما أفتي به الشيخ جمعة مفتي مصر بأنه اعطي الحق للمسيحيين الذين أسلموا في الرجوع مرة اخرى الى ديانتهم السابقة. أو يقرأ في موقف القديس بولس من المرتدين المسيحيين ففي فصل بعنوان الارتداد عن الإيمان يقول " فالذين ُأنيروا مرة وذاقوا الهبة السماوية وصاروا مشاركين في الروح القدس ثم سقطوا يستحيل تجديدهم وإعادتهم الى التوبة .. فكل ارض شربت ما نزل عليها من المطر واطلعت نباتا صالحا للذين فُتحت من اجلهم نالت برك من الله ولكنها إذا أخرجت شوكا وعشبا صارت مرفوضة تهددها اللعنة وتكون عاقبتها الحريق "الرسالة الى العبرانيين الإصحاح الخامس والسدس الآيات من4 – 7.نقطة
ويختتم مسعد مقاله بتوجيه النصيحة لكبيري تجارة التخويف من الإسلام، حيث كتب": بالنسبة للسيد احسان جامي وجمعيته اقول له : اقرأ الصحف العربية الصادرة اخيرا وتعّلم : فالمحاكم المصرية اصدرت احكاما جديدة تسمح للمصريين الذين كانوا مسيحيين وأسلموا ويرغبون مرة اخرى في ترك الإسلام الحق اذا رغبوا في العودة مرة اخرى الى المسيحية. اقول للسيد جامي : جمعيتك فاقدة المعنى والهدف خاصة هنا في هولندا وأوربا بشكل عام فلا أحد يهتم بمسلم تحول الى المسيحية او مسيحي يتحول على الإسلام اللهم الا اذا اراد ان يحصل على مكسب مادي او سياسي او شهرة ضيقة".نقطة
أما بالنسبة للسيد فيلدرز فيقول الكاتب المصري : نحن العرب المسيحيين نرفض بشدة اية اهانة للمسلمين والإسلام كما ندين أيضا بنفس الشدة أي اعتداء يحدث من مسلمين على غير مسلمين بسبب دينهم او او اية ممارسات أخرى .فأنا وغيري من المسيحيين العرب نعتبر القرآن جزءا أساسيا وهاما من تراثنا الثقافي والحضاري ونحترمه ونقرأه .وهل نسينا أن كتاب حكماء صهيون أصدره المسيحيون الغربيين الذين كتبوا فيه بان كهنة اليهود يخطفون أطفال المسيحيين ويذبحونه ويخلطون دمائهم بالقرابين ؟!.نقطة
ويجمع مسعد ختاما بين الرجلين في تذكيرهما " بأن الغالبية المسلمة في البلاد الإسلامية لم تفكر في تحريم تداول الكتاب المقدس المسيحي"، ويرجوهما "بأن لا يبحثا عن الأضواء لهما من خلال إسدال الظلام على الآخرين! ".نقطة

المؤتمر الإسلامي يدعو إلى حل دولي

لم تعد ظاهرة الإسلامفوبيا في الغرب قضية تهم الأقليات المسلمة، بل تحولت إلى قضية دولية بامتياز، يتجاوز مدى تأثيرها السلبي حدود المجتمعات التي عرفتها، إلى العلاقات الدولية العامة، وبالتحديد إلى علاقة العالمين الإسلامي والغربي، وهو ما دفع بمنظمة المؤتمر الإسلامي التي تضم في عضويتها كافة الدولة الإسلامية، إلى وضع تقرير حول الظاهرة، وتضمين البيان الختامي لآخر قمة للدول أعضاء المنظمة، والتي اتعقدت في العاصمة السينغالية دكار، فقرة تدعو الدول الغربية إلى التصدي لتجارة التخويف من الإسلام.نقطة
وفي هذا الإطار يقول الأمين العام للمنظمة البرفسور أكمل الدين إحسان أوغلو " أنه منذ عام 2005 كانت هناك وعود من الدول الغربية من أجل إيقاف هذه الحملة غير المفهومة، لكن للأسف الشديد لم يتم الالتزام بذلك"، ويضيف أوغلو:" نحن نحترم حرية التعبير، ولكن استغلال هذه الحرية لازدراء الأديان والإصرار على الإهانة أمر غير مفهوم، إنه تصرف غير سوي وتطرف فكري، ويجب علينا في العالمين الغربي والإسلامي ألا نقع ضحايا المتطرفين في الجانبين.نقطة
ويذكر أنه للمرة الأولى في تاريخ المنظمة يستحدث مرصد لمتابعة ظاهرة "كراهية الإسلام"، وسيقدم تقريره للمرة الأولى إلى القمة التي ستبدأ أعمالها اليوم الخميس، ويتابع المرصد كل ما يصدر ضد الإسلام حول العالم، ولكن حتى الآن لا يعرف ما إذا كانت تقارير هذا المرصد ستتحول إلى مواقف أمام القمة، بحيث تصدر المنظمة عقوبات اقتصادية على من يرى المرصد أنه تجاوز الحدود في نقده للإسلام.نقطة

    الشبان العرب مولعون بالتلفزة الهولندية
    تحسن ملحوظ في عملية الإندماج
    مؤسسة فيلم من الجوار تحظى بتقدير سلطات روتردام
    كتاب هولندي يرصد فوضى العراق
    المخابرات الهولندية تخشى
    بالكنندا يتبرأ من عمل فيلدرز
    وزير العدل الهولندي لا يعترف بكلمة وافد
    زي إسلامي للسباحة يثير جدلا هولنديا
    القاهرة تقاطع هولندا سينمائيا
    مخاوف على جنود هولندا في أفغانستان
المصير..العربية - خالد شوكات
المصير نفس جديد - خالد شوكات
مجتمع مدني ولكن - د عبدالحسين شعبان
الطبيعة تقلد الفن - محمد حياوي
أعطني مجتمعاً مدنياً - فيصل القاسم

الفتيات الهاربات في هولندا.. مغامرة يدفع ثمنها الجميع

تبدو تربية الأطفال لغالبية المسلمين المقيمين في الغرب مغامرة غير مضمونة العواقب، قد تفضي إلى كوارث اجتماعية ونفسية حقيقية لا يمكن استيعاب آثارها أو تجاوز انعكاساتها على النسيج الأسري الخاص والنسيج الاجتماعي للأقلية المسلمة بشكل عام؛ فالمشكلة بإيجاز شديد هي أن المجتمع الغربي لا يساعد العائلة المسلمة عادة على الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على خصوصيتها، بل إنه كثيرًا ما يلعب دور المشجع على التمرد والتفسخ والصراع بين الأجيال.نقطة
إن مشكلة التربية لدى المسلمين تبلغ درجة الكارثة عندما يصل الأمر إلى خسارة الآباء للأبناء، وتكون الكارثة عظمى حينما تمس الخسارة البنات؛ فهؤلاء لا يمثلن -كما هو معروف في المجتمعات المسلمة- مجرد أبناء، بل هن رمز للشرف والفضيلة، وضياعهن لا يشكل في نظر الأولياء عصيانا فحسب بل تمريغا لسمعة العائلة ليس بالمقدور إصلاحه، و"كسر لا يُجبر" مثلما يقول المثل العربي.نقطة
في هولندا تعاني الأقلية المسلمة التي يناهز عددها المليون من ظاهرة "هروب المراهقات من منازل أسرهن"، والالتجاء إلى مؤسسات اجتماعية هولندية توفر لهن بموجب القوانين السائدة فرصا للعيش بمفردهن، من خلال تمكينهن من سكن خاص، وموارد مالية للوفاء بباقي الالتزامات الاجتماعية، ومساعدتهن لاحقا على إيجاد فرص عمل أو الالتحاق بمدارس إذا كن راغبات في مواصلة تعليمهن.نقطة
وقد أصبحت هذه الظاهرة التي استفحلت في السنوات الأخيرة مؤرقة جدا للآباء المسلمين، وللمنظمات الإسلامية أيضا، بالنظر إلى ما تتضمنه من خطورة على أكثر من مستوى؛ فالمراهقات الهاربات من بيوت آبائهن لا ينحصر الخطر في هروبهن على أنفسهن، بل يتجاوزهن إلى مختلف أفراد العائلة، خصوصا الأشقاء والشقيقات الذين يعيشون هاجس الهرب منذ اللحظة التي تغادر فيها الأخت الهاربة، كما يعيش الأبوان الهاجس ذاته، حيث يفقدان الثقة في نفسيهما، سواء تجاه باقي الأبناء أو في مواجهة الخارج.نقطة

لماذا يهربن؟

منذ سماح القوانين الهولندية سنة 1986 للمهاجرين المسلمين (غالبيتهم من المغرب وتركيا) بجلب عائلاتهم من الدول الأصلية، والاستقرار بشكل نهائي في هولندا، طفت على السطح الكثير من المشكلات الاجتماعية داخل الأقلية المسلمة، من أكثرها خطورة مشكلة هروب الفتيات المسلمات من بيت الأسرة.نقطة
تقول "ربيعة بوحلحول" الباحثة الاجتماعية ومؤلفة كتاب عن صراع الأجيال داخل الأقلية المسلمة: "إن أسباب هروب الفتيات المسلمات متعددة؛ اجتماعية وثقافية ونفسية ومادية وعاطفية، والمسؤولية في هذه المسألة ليست ملقاة على عاتق طرف واحد، بل تتقاسمها العائلة والسلطات والفتيات الهاربات أنفسهن".نقطة
وتشير بحلحول -التي تشغل منصبا رفيعا في بلدية روتردام ثاني أكبر المدن الهولندية- إلى أنه "ليست هناك إحصائيات رسمية تبين حجم هروب الفتيات المسلمات، لكن الأمر -بحسب الكثير من المصادر- يشير إلى آلاف الحالات؛ فحالة الهروب عادة ما تُحاط بقدر كبير من السرية والكتمان، سواء من قِبل عائلة الهاربة التي تخاف تعليقات الأقارب والمعارف، أو السلطات التي تخشى ردود أفعال عنيفة قد تطول الهاربة من قبل أقاربها". وتذكر الباحثة الاجتماعية من أصل مغربي "أن الفتيات الهاربات ينتمين في الغالب للجيل الثاني والثالث، الذي ولد وتربى في هولندا، بينما ينتمي الآباء للجيل الأول من المهاجرين المسلمين، الذين جاءوا إلى هولندا كبارا في السن، بعد أن اكتمل الوعي لديهم، وليس مستغربا في هذه الحالة أن يحدث التصادم بين جيلين مختلفين في التربية والتكوين" .نقطة
وتبين الأبحاث الاجتماعية التي أجرتها مؤسسات هولندية على حالات كثيرة من الهاربات "أن سبب الهروب قد يكون انعدام التفاهم بين الهاربة وأبويها، نتيجة اختلاف في المفاهيم أو انعدام الحوار من الأساس، أو محاولة الأبوين فرض التزامات اجتماعية وأخلاقية بالقوة، أو التباين في الأولويات؛ حيث يعيش عدد كبير من الآباء على حلم العودة للوطن الأصلي، فيما يعتبر الأبناء هذا الحلم مستحيلا".نقطة

الحياة وسط التناقضات

"أحمد أحريكة" الإخصائي الاجتماعي من أصل مغربي يقول: "إن أبناء الجيلين الثاني والثالث ينشئون على رؤية قيم متضاربة في البيئات التي يعيشون فيها، ويحتارون في إيجاد تفسيرات مقنعة للتناقضات السائدة بين مفاهيم أسرهم والمفاهيم التي تعرفوا عليها في المدرسة أو الشارع، ولا يستطيعون جميعا الصمود أمام هذه التناقضات والتضاربات، وقد يسقط بعضهم في الفخ، فيقرر معالجة مشاكله بالهروب، خصوصا الفتيات اللاتي يتعرضن في أسرهن لضغوط أكبر بسبب العقلية المحافظة السائدة في أغلب الأسر المسلمة".نقطة
ويختلف "أحريكة" في الرأي مع عدد كبير من الإخصائيين الاجتماعيين الذين يلقون باللائمة دائما على الآباء؛ حيث يرى "أن الظروف الاجتماعية والمعيشية السائدة في هولندا قد تلعب عامل المحرض للفتيات على الهرب؛ فالفتاة في سن المراهقة تكون معرضة أكثر من غيرها للإغراء، والسكن الخاص والمنحة المالية المستقلة، والتملص من التزامات الدخول والخروج في أوقات معينة، كلها أشياء توفرها البيئة الهولندية للأسف، وعلى نحو يشجع الفتيات المسلمات المراهقات على مغادرة منازلهن لأسباب تافهة أحيانا".نقطة
ولا بد من أن يُذكر في هذا الإطار أن الظروف التي أشار إليها الإخصائي الاجتماعي "أحمد أحريكة" لم تنشأ كما يذهب إلى ذلك بعض الآباء المسلمين المفجوعين بهروب بناتهن لإفساد أخلاق المسلمات، بل نشأت في ظل عوامل خاصة بالتطورات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها المجتمعات الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وانبنت في مجملها على شعارات تحرير المرأة وتمجيد الفرد، حتى ولو أدى ذلك إلى تحطيم منظومة العلاقات الأسرية، وإعادة بناء المجتمعات على أسس "الفردانية" (Individualism ).نقطة

خوفاً على دينها

من جانبه يقول " قاسم الناعس" الذي أسس أول مدرسة ثانوية إسلامية في هولندا سنة 1999: "إن أهم ما يجب التفكير فيه بالنسبة للمسلمين في حالة الفتيات الهاربات هو دينهن، الذي يكون عرضة للخطر بمجرد وجود الفتاة الهاربة بين أيدي الهولنديين، الذين لا ينتظر منهم أحد أن يعملوا على صيانة دين الهاربة، بل إن عددا كبيرا من الفتيات قد اتجهن بعد هروبهن إما إلى عالم الدعارة أو إلى عالم الانحراف بمعناه الواسع". ويرى الناعس أن على المسلمين في هولندا، وفي الغرب عامة، أن يفكروا بشكل أكثر واقعية؛ فخسارة الفتاة لعائلتها نتيجة مشاكل اجتماعية أو غيرها لا يجب أن يقود بالضرورة إلى خسارة الفتاة لدينها وانتمائها الثقافي والحضاري.نقطة
في هذا السياق يدعو "الناعس" وعدد من النشطاء المسلمين في الحقل الاجتماعي إلى "إنشاء دور رعاية وإيواء إسلامية لاحتضان الفتيات المسلمات في حالة فرارهن من عائلاتهن؛ لتوفر لهن الحماية الأخلاقية من جهة، وتمثل بالنسبة لأسرهن بيئة ملائمة تطمئنهم على مصير ابنتهم، وتبقي الأمل لديهن في استعادتها من جديد". ويقول "الناعس" بهذا الصدد: "إن حالات كثيرة ثبت خلالها أن عملية الهروب لم تكن مدروسة بالنسبة للفتاة الهاربة، وأنها كانت مجرد لحظة ضعف أو طيش، سرعان ما يعقبها شعور بالندم والرغبة في الرجوع، ولهذا فإن وجود دور إيواء إسلامية للفتيات المسلمات الهاربات، سيشكل خط رجعة بالنسبة لهن؛ فهن في هذه الحالة لم يضِعن".نقطة

حلول دائمة

وإلى جانب الحل الذي يقترحه "الناعس" يعتقد إخصائيون اجتماعيون مسلمون "أن البحث لإيجاد حلول واقعية، كما هو الشأن بالنسبة لدور الإيواء الإسلامية، لا يجب أن يغني عن التفكير في المشكلة بشكل أكثر عمقا، والبحث عن حلول دائمة يقلص الظاهرة، ويحصرها في أضيق إطار ممكن". ويشير هؤلاء الإخصائيون إلى ضرورة بعث منظمات إسلامية تعنى بتربية الآباء والأمهات وتثقيفهن؛ فالمستوى التعليمي والثقافي المتدني للآباء المسلمين، كثيرا ما يكون السبب في تفشي الخلافات بينهم وبين الأبناء؛ حيث لا ينتبه الآباء من ذوي المستوى الثقافي المتدني إلى أهمية الحوار مع الأبناء، كما يتمسكون غالبا بصفة الأبوة السلطوية على غرار ما تربوا عليه في مجتمعاتهم الأصلية.نقطة
كما ينصح عدد من الخبراء الاجتماعيين المسلمين بضرورة إقامة مجموعات للإصلاح الاجتماعي، تتشكل في إطار المنظمات الإسلامية، من شخصيات تحظى بالتقدير والاحترام، تقوم على المساعدة في معالجة المشاكل العائلية قبل أن تستفحل وتتطور إلى عصيان وهروب، أو حتى المساعدة في الأطوار اللاحقة حين تكون عملية الهروب ما تزال في مرحلتها الأولى.نقطة
بالإضافة إلى هذا كله يرى عدد كبير من نشطاء الأقلية المسلمة أن المنظمات الإسلامية يمكن أن تلعب دورا كبيرا في مساعدة الآباء على القيام بوظائفهم التربوية، وذلك من خلال تكثيف أنشطة العناية بأبناء الجيل الثاني، والعمل على استقطابهم في مشاريع وهوايات مفيدة، تساهم في تقليص شعورهم بالتناقض بين قيم الشارع والقيم التي تدعوهم أسرهم لاحترامها.نقطة


Download PDF bestanden

قصة عربي في برلين ما بين الحربين العالميتين

عمر رياض - أستاذ الدراسات الإسلامية في كلية الأديان جامعة لايدن
تبدأ قصة اكتشاف الوثائق المنشورة هنا حين وقعت عيناي في صيف عام 2004 على بعض الخطابات الموقعة بيد شخص تحت اسم زكي حشمت كرام في برلين، والموجودة في الأرشيف العائلي الخاص بصاحب مجلة المنار الشيخ المصلح محمد رشيد رضا (1865-1935)، والقابع في شقة أحد أحفاده في إحدى ضواحي مدينة القاهرة. وقتها لم أكن أعرف أي شئ عن صاحب تلك الرسائل ولا عن علاقته برشيد رضا. وما أن رجعت إلى محل عملي في كلية الأديان في جامعة لايدن، بدأت رحلة البحث عن هذا الشخص المدفون في طيات التاريخ. وبعد أن فكرت مليا ألهمني الله الطريق الذي أوصلني إلى الحلقات المفقودة في تلك الرسائل. بدأت أولا بالبحث في دليل الهواتف الخاص بألمانيا على الإنترنت لعلي أجد أحدا من عائلته أو أحفاده. وبالفعل، وجدت ثلاثة أشخاص يحملون نفس الاسم العائلي في ألمانيا كلها. وحين قررت الحديث إلى أحدهم، إذ بصوت رخيم لشخص قد بلغ من الكبر عتيا، وحين سألته بالألمانية: "هل هذه هي عائلة الدكتور زكي حشمت كرام الذي كان يعيش في كارل شتراسا رقم 10 في برلين في فترة العشرينيات من القرن الماضي؟" إذ بنبرة الصوت وقد اعتراها بعض التردد بالإجابة تقول: "نعم إنني ابنه". ومن ذلك الوقت وقد انهالت المفاجآت التاريخية على، فقد سافرت إثر هذه المكالمة لزيارة ابنه هارون والذي يسكن الآن في قرية تسمى كورنفيستهايم Kornwestheimعلى مقربة من مدينة شتوتجارت حيث يحتفظ بوثائق والده الخاصة، فمن هو ذاك الزكي كرام؟.نقطة
ولد زكي حشمت كرام في عام 1886 في سوريا من أصل لعائلة فارسية، فقد كان جده الطبيب الخاص لشاه إيران فتح علي شاه (1762-1834) في طهران. وقد بدأ كرام دراسته العسكرية في سوريا، ومنها انتقل إلى استنبول حيث أكمل دراسته في الأكاديمية العسكرية. وفي عام 1904 عين ملازما في الجيش العثماني، وفي أثناء الحرب العالمية الأولى عين قائدا لقوات البدو في العريش في شبه جزيرة سيناء. في عام 1916 أصيب بشظية في رجله اليسرى على مقربة من قناة السويس، وبعد العمليات الفاشلة التي تلقاها في مدينة القدس، نقل كرام في عام 1917 إلى برلين لتلقي العلاج في مستشفى الشاريتيه، حيث مكث هناك حوالي عامين، قرر الأطباء بعدها بتر قدمه اليسرى حتى الركبة.نقطة
وفي أثناء تلك الفترة المريرة كان كرام يقتل وقته في كتابة مذكرات خاصة عن حياته وسط المرضى والأطباء، وكذا انطباعاته عن مدينة برلين، والحالة الإجتماعية والسياسية للعرب والمسلمين القاطنين في ألمانيا آنذاك.نقطة
وفي عام 1920 تزوج من الألمانية جيرترود نيوندورف (Gertrud Neuendorf) وفي1921 بدأ كرام دراسة الطب في جامعة فريدريش فيليمزFriedrich-Wilhelms في برلين حيث أنهى دراسة طب الأسنان في عام 1925 بأطروحة باللغة الألمانية تحت عنوان: "عناية الفم والأسنان عند الشعوب المحمدية". ولأنه لم يكن يحمل الجنسية الألمانية لم يوفق في العمل كطبيب أسنان في برلين. وأثناء تلك الفترة أنشأ كرام مع زوجته محلا لبيع الكتب ومطبعة صغيرة سماها "مكتبة الشرق والغرب".نقطة
وفي برلين بدأ كرام علاقته مع الأمير اللبناني شكيب أرسلان (1871-1946)، والتي كانت السبب الرئيسي وراء الدور السياسي والعسكري الذي لعبه كرام منذ ذلك الحين في التاريخ العربي المعاصر بعد ذلك، حيث قدمه أرسلان إلى المشاهير من علماء المسلمين والوطنيين في عصره. فعلى سبيل المثال اختير كرام رئيسا لفرع المؤتمر الإسلامي العام للقدس في برلين، وكان أيضا عضوا مؤسسا في المؤتمر الأوروبي الإسلامي في جينيف تحت رئاسة أرسلان نفسه. وهذا يكشف أيضا سر وجود تلك الرسائل الموقعة باسم كرام بين أوراق رشيد رضا السالفة الذكر. فمن المرجح أن الشيخ رشيد رضا قد عرف كرام عن طريق أرسلان. وفي مجلة المنار نجد أيضا بعض المقالات الطبية والعلمية التى كتبها كرام. وفي المراسلات بينه وبين الشيخ رشيد رضا يلقي كرام جام غضبه على الوضع المتردي لأوضاع المسلمين وخاصة الجمعية الإسلامية الخاصة بطائفة الأحمدية في ذلك الحين.نقطة
وقد كان كرام معجبا بفيصل ملك العراق آنذاك، حيث كان يعتبره أحسن السياسيين، والذي يستطيع تحقيق حلم الاستقلال للعالم العربي. فبعد وفاة فيصل المفاجئة في مدينة برن في عام 1933 أسرع كرام بتنظيم حفل تأبين له في برلين حيث ألقيت الخطب والقصائد الشعرية في ذكراه.نقطة
وفي نفس الفترة بدأ يستغل كرام خبرته العسكرية في تجارة السلاح، حيث عمل وسيطا في الاتفاقات المنعقدة بين مصانع السلاح الألمانية و بعض الحكومات العربية والإسلامية، وخاصة مع الحكومة المتوكلية اليمنية في عهد الإمام يحيى، والتي كانت سياسته لاتسمح بالتدخل الأوروبي في الشئون الداخلية، إلا أنه كان مستعدا لتسليح الجيش اليمني بالدخول في صفقات للسلاح مع المسلمين وغير المسلمين. وقد كان لتجار السلاح الألمان نصيب الأسد من تلك الصفقات. ولهذا السبب وبناء على دعوة من الإمام يحيى سافر كرام إلى اليمن في أعوام 1930 و 1934 و 1936-1937. ومن الوثائق الهامة الموجودة اتفاقية بين كرام والحكومة المتوكلية لإرسال شحنة أسلحة مكونة من 10.000 بارودة من صنف الماوزر الألماني.نقطة
ومع إعاقته فقد كان كرام كثير السفر، فبجانب رحلاته في المشرق العربي الإسلامي زار كرام شمال المغرب عدة مرات في أوائل الأربعينيات. وقد كان سبب زيارته هو طبع بعض الكتب التي ألفها عند أصدقائه من الوطنيين المغاربة في الشمال تحت الحماية الإسبانية من أمثال محمد حسن الوزاني والمكي الناصري وعبد الخالق الطريس و محمد داود مؤرخ مدينة تطوان، والتي ولم تنشر حتى الآن. ومن خلال وثائقه الباقية يتبين أيضا أنه كانت ثمة علاقة مع وزارة الخارجية الإسبانية، حيث أصبح كرام ممثل الغرفة التجارية الإسبانية الشرقية في برلين حيث كان يصدر معدات طبية وأدوية وآلات طابعة إلى مدريد.نقطة
وقد توفي كرام بسبب مرض السرطان في أحد مستشفيات السجن الأمريكي بعد سقوط برلين، ولكن الوثائق الباقية لا تقول أي شئ عن سبب القبض عليه والقائه في السجن، ولا توجد سوى بعض التقارير الطبية المكتوب عليها "أسير حرب"، فمن المحتمل أن علاقاته بوزارة الخارجية الألمانية وسفره لعقد الصفقات العسكرية كانت من أهم الأسباب الرئيسية وراء ذلك. وهنا انتهت قصة ذلك الرجل حين أرسلت عائلة زوجته في برلين أوراقه الخاصة وكتبه في صناديق خشبية إلى زوجته في شتوتجارت، والتي يحتفظ بها ولده هارون في كورنفيستهايم إلى الآ .نقطة