
المصير - قسم التحقيقات:ةخلال الفترة الفاصلة بين سنتي 2002 و2006، وقعت مدينة روتردام تحت حكم اليمين المتشدد ممثلا في حزب "روتردام ملائمة للعيش" الذي أسسه السياسي الشعبوي الراحل بيم فورتاون، وكان من بين المشاريع البلدية التي طرحت على مواطني المدينة في ذلك الوقت، مشروع "الحوار مع المسلمين"، حيث كان أبناء الأقلية المسلمة مجبرين في إطار هذا الحوار على الإجابة على سؤال يطالبهم بتحديد موقفهم من علاقة الفصل بين الدين والدولة، أي الموقف من الأساس العلماني للدولة الهولندية؟.نقطة
في حينها بدا السؤال، خصوصا لبعض المسلمين، غريبا نوعا ما، فبرأيهم لا يعتقد أن في نية أحد من أفراد الجاليات المسلمة، تغيير شكل الدولة الهولندية أو أسس الحكم فيها، وغاية ما يطمح إليه إسلاميا حسب ما يراه هؤلاء، هو الحفاظ على هوية ثقافية ودينية من خلال الوسائل التي تسمح بها القوانين السارية، ناهيك عن أن يفكر البعض مثلا في تحويل هولندا إلى دولة إسلامية، أو أسلمة هولندا كما سيشير لاحقا إلى ذلك قادة اليمين الشعبوي الجديد.نقطة
ما بدا للبعض في البداية سؤالا ساذجا، سيتبين فيما بعد، أنه سؤال جدي، بل لقد تحول لدى بعض السياسيين الهولنديين إلى برنامج سياسي وحزبي رابح، يجني واضعوه ومرددو الشعارات المنبثقة عنه، من جرائه أرباحا طائلة، أقلها تسعة نواب في الغرفة الثانية الرئيسية للبرلمان وشهرة محلية ودولية واسعة النطاق في زمن قياسي، وحراسة أمنية مشددة على مدار الساعة تكلف دافعي الضرائب الهولنديين ملايين اليوروات سنويا.نقطة
يشعر كثير من المسلمين اليوم، أنهم أضحوا "ملطشة" لكل من يريد تحقيق أرباح سياسية وشهرة إعلامية في أسرع وقت ممكن، ويضربون مثلا ب"بيم فورتاون" و"خيرت فيلدرز" و"أيان هرسي علي" و"إحسان جامع" و"ريتا فيردونك" وغيرهم، ممن اختار السير في طريق الهجوم على الإسلام والمسلمين، والانخراط في تجارة الخوف، عبر إخراج فزاعة البعبع الإسلامي الهمجي المتربص بهولندا خاصة، والغرب بوجه عام، من الجراب.
غير أن الاتجاه الغالب داخل الأقلية المسلمة ما يزال يرى بأن أفضل وسيلة لمقاومة ظاهرة التخويف من الإسلام، هي تجاهل أصوات اليمين المتشدد وعدم الانجراف وراء ردود فعل عنيفة ضدهم، لأن ذلك سيحقق لهؤلاء مرادهم في مزيد من الشهرة، بالإضافة إلى العمل من أجل بيان الصورة الحقيقية للعقيدة الإسلامية، التي هي عقيدة دينية سمحاء ومسالمة، تدعو إلى الحوار مع غيرها بالحكمة والموعظة الحسنة.نقطة
تبدو تربية الأطفال لغالبية المسلمين المقيمين في الغرب مغامرة غير مضمونة العواقب، قد تفضي إلى كوارث اجتماعية ونفسية حقيقية لا يمكن استيعاب آثارها أو تجاوز انعكاساتها على النسيج الأسري الخاص والنسيج الاجتماعي للأقلية المسلمة بشكل عام؛ فالمشكلة بإيجاز شديد هي أن المجتمع الغربي لا يساعد العائلة المسلمة عادة على الوفاء بالتزاماتها والحفاظ على خصوصيتها، بل إنه كثيرًا ما يلعب دور المشجع على التمرد والتفسخ والصراع بين الأجيال.نقطة
إن مشكلة التربية لدى المسلمين تبلغ درجة الكارثة عندما يصل الأمر إلى خسارة الآباء للأبناء، وتكون الكارثة عظمى حينما تمس الخسارة البنات؛ فهؤلاء لا يمثلن -كما هو معروف في المجتمعات المسلمة- مجرد أبناء، بل هن رمز للشرف والفضيلة، وضياعهن لا يشكل في نظر الأولياء عصيانا فحسب بل تمريغا لسمعة العائلة ليس بالمقدور إصلاحه، و"كسر لا يُجبر" مثلما يقول المثل العربي.نقطة
في هولندا تعاني الأقلية المسلمة التي يناهز عددها المليون من ظاهرة "هروب المراهقات من منازل أسرهن"، والالتجاء إلى مؤسسات اجتماعية هولندية توفر لهن بموجب القوانين السائدة فرصا للعيش بمفردهن، من خلال تمكينهن من سكن خاص، وموارد مالية للوفاء بباقي الالتزامات الاجتماعية، ومساعدتهن لاحقا على إيجاد فرص عمل أو الالتحاق بمدارس إذا كن راغبات في مواصلة تعليمهن.نقطة
وقد أصبحت هذه الظاهرة التي استفحلت في السنوات الأخيرة مؤرقة جدا للآباء المسلمين، وللمنظمات الإسلامية أيضا، بالنظر إلى ما تتضمنه من خطورة على أكثر من مستوى؛ فالمراهقات الهاربات من بيوت آبائهن لا ينحصر الخطر في هروبهن على أنفسهن، بل يتجاوزهن إلى مختلف أفراد العائلة، خصوصا الأشقاء والشقيقات الذين يعيشون هاجس الهرب منذ اللحظة التي تغادر فيها الأخت الهاربة، كما يعيش الأبوان الهاجس ذاته، حيث يفقدان الثقة في نفسيهما، سواء تجاه باقي الأبناء أو في مواجهة الخارج.نقطة
عمر رياض - أستاذ الدراسات الإسلامية في كلية الأديان جامعة لايدن
تبدأ قصة اكتشاف الوثائق المنشورة هنا حين وقعت عيناي في صيف عام 2004 على بعض الخطابات الموقعة بيد شخص تحت اسم زكي حشمت كرام في برلين، والموجودة في الأرشيف العائلي الخاص بصاحب مجلة المنار الشيخ المصلح محمد رشيد رضا (1865-1935)، والقابع في شقة أحد أحفاده في إحدى ضواحي مدينة القاهرة. وقتها لم أكن أعرف أي شئ عن صاحب تلك الرسائل ولا عن علاقته برشيد رضا. وما أن رجعت إلى محل عملي في كلية الأديان في جامعة لايدن، بدأت رحلة البحث عن هذا الشخص المدفون في طيات التاريخ. وبعد أن فكرت مليا ألهمني الله الطريق الذي أوصلني إلى الحلقات المفقودة في تلك الرسائل. بدأت أولا بالبحث في دليل الهواتف الخاص بألمانيا على الإنترنت لعلي أجد أحدا من عائلته أو أحفاده. وبالفعل، وجدت ثلاثة أشخاص يحملون نفس الاسم العائلي في ألمانيا كلها. وحين قررت الحديث إلى أحدهم، إذ بصوت رخيم لشخص قد بلغ من الكبر عتيا، وحين سألته بالألمانية: "هل هذه هي عائلة الدكتور زكي حشمت كرام الذي كان يعيش في كارل شتراسا رقم 10 في برلين في فترة العشرينيات من القرن الماضي؟" إذ بنبرة الصوت وقد اعتراها بعض التردد بالإجابة تقول: "نعم إنني ابنه". ومن ذلك الوقت وقد انهالت المفاجآت التاريخية على، فقد سافرت إثر هذه المكالمة لزيارة ابنه هارون والذي يسكن الآن في قرية تسمى كورنفيستهايم Kornwestheimعلى مقربة من مدينة شتوتجارت حيث يحتفظ بوثائق والده الخاصة، فمن هو ذاك الزكي كرام؟.نقطة
ولد زكي حشمت كرام في عام 1886 في سوريا من أصل لعائلة فارسية، فقد كان جده الطبيب الخاص لشاه إيران فتح علي شاه (1762-1834) في طهران. وقد بدأ كرام دراسته العسكرية في سوريا، ومنها انتقل إلى استنبول حيث أكمل دراسته في الأكاديمية العسكرية. وفي عام 1904 عين ملازما في الجيش العثماني، وفي أثناء الحرب العالمية الأولى عين قائدا لقوات البدو في العريش في شبه جزيرة سيناء. في عام 1916 أصيب بشظية في رجله اليسرى على مقربة من قناة السويس، وبعد العمليات الفاشلة التي تلقاها في مدينة القدس، نقل كرام في عام 1917 إلى برلين لتلقي العلاج في مستشفى الشاريتيه، حيث مكث هناك حوالي عامين، قرر الأطباء بعدها بتر قدمه اليسرى حتى الركبة.نقطة
وفي أثناء تلك الفترة المريرة كان كرام يقتل وقته في كتابة مذكرات خاصة عن حياته وسط المرضى والأطباء، وكذا انطباعاته عن مدينة برلين، والحالة الإجتماعية والسياسية للعرب والمسلمين القاطنين في ألمانيا آنذاك.نقطة
وفي عام 1920 تزوج من الألمانية جيرترود نيوندورف (Gertrud Neuendorf) وفي1921 بدأ كرام دراسة الطب في جامعة فريدريش فيليمزFriedrich-Wilhelms في برلين حيث أنهى دراسة طب الأسنان في عام 1925 بأطروحة باللغة الألمانية تحت عنوان: "عناية الفم والأسنان عند الشعوب المحمدية". ولأنه لم يكن يحمل الجنسية الألمانية لم يوفق في العمل كطبيب أسنان في برلين. وأثناء تلك الفترة أنشأ كرام مع زوجته محلا لبيع الكتب ومطبعة صغيرة سماها "مكتبة الشرق والغرب".نقطة
وفي برلين بدأ كرام علاقته مع الأمير اللبناني شكيب أرسلان (1871-1946)، والتي كانت السبب الرئيسي وراء الدور السياسي والعسكري الذي لعبه كرام منذ ذلك الحين في التاريخ العربي المعاصر بعد ذلك، حيث قدمه أرسلان إلى المشاهير من علماء المسلمين والوطنيين في عصره. فعلى سبيل المثال اختير كرام رئيسا لفرع المؤتمر الإسلامي العام للقدس في برلين، وكان أيضا عضوا مؤسسا في المؤتمر الأوروبي الإسلامي في جينيف تحت رئاسة أرسلان نفسه. وهذا يكشف أيضا سر وجود تلك الرسائل الموقعة باسم كرام بين أوراق رشيد رضا السالفة الذكر. فمن المرجح أن الشيخ رشيد رضا قد عرف كرام عن طريق أرسلان. وفي مجلة المنار نجد أيضا بعض المقالات الطبية والعلمية التى كتبها كرام. وفي المراسلات بينه وبين الشيخ رشيد رضا يلقي كرام جام غضبه على الوضع المتردي لأوضاع المسلمين وخاصة الجمعية الإسلامية الخاصة بطائفة الأحمدية في ذلك الحين.نقطة
وقد كان كرام معجبا بفيصل ملك العراق آنذاك، حيث كان يعتبره أحسن السياسيين، والذي يستطيع تحقيق حلم الاستقلال للعالم العربي. فبعد وفاة فيصل المفاجئة في مدينة برن في عام 1933 أسرع كرام بتنظيم حفل تأبين له في برلين حيث ألقيت الخطب والقصائد الشعرية في ذكراه.نقطة
وفي نفس الفترة بدأ يستغل كرام خبرته العسكرية في تجارة السلاح، حيث عمل وسيطا في الاتفاقات المنعقدة بين مصانع السلاح الألمانية و بعض الحكومات العربية والإسلامية، وخاصة مع الحكومة المتوكلية اليمنية في عهد الإمام يحيى، والتي كانت سياسته لاتسمح بالتدخل الأوروبي في الشئون الداخلية، إلا أنه كان مستعدا لتسليح الجيش اليمني بالدخول في صفقات للسلاح مع المسلمين وغير المسلمين. وقد كان لتجار السلاح الألمان نصيب الأسد من تلك الصفقات. ولهذا السبب وبناء على دعوة من الإمام يحيى سافر كرام إلى اليمن في أعوام 1930 و 1934 و 1936-1937. ومن الوثائق الهامة الموجودة اتفاقية بين كرام والحكومة المتوكلية لإرسال شحنة أسلحة مكونة من 10.000 بارودة من صنف الماوزر الألماني.نقطة
ومع إعاقته فقد كان كرام كثير السفر، فبجانب رحلاته في المشرق العربي الإسلامي زار كرام شمال المغرب عدة مرات في أوائل الأربعينيات. وقد كان سبب زيارته هو طبع بعض الكتب التي ألفها عند أصدقائه من الوطنيين المغاربة في الشمال تحت الحماية الإسبانية من أمثال محمد حسن الوزاني والمكي الناصري وعبد الخالق الطريس و محمد داود مؤرخ مدينة تطوان، والتي ولم تنشر حتى الآن. ومن خلال وثائقه الباقية يتبين أيضا أنه كانت ثمة علاقة مع وزارة الخارجية الإسبانية، حيث أصبح كرام ممثل الغرفة التجارية الإسبانية الشرقية في برلين حيث كان يصدر معدات طبية وأدوية وآلات طابعة إلى مدريد.نقطة
وقد توفي كرام بسبب مرض السرطان في أحد مستشفيات السجن الأمريكي بعد سقوط برلين، ولكن الوثائق الباقية لا تقول أي شئ عن سبب القبض عليه والقائه في السجن، ولا توجد سوى بعض التقارير الطبية المكتوب عليها "أسير حرب"، فمن المحتمل أن علاقاته بوزارة الخارجية الألمانية وسفره لعقد الصفقات العسكرية كانت من أهم الأسباب الرئيسية وراء ذلك. وهنا انتهت قصة ذلك الرجل حين أرسلت عائلة زوجته في برلين أوراقه الخاصة وكتبه في صناديق خشبية إلى زوجته في شتوتجارت، والتي يحتفظ بها ولده هارون في كورنفيستهايم إلى الآ
.نقطة