
محمد حيّاوي:
هناك أكثر من طريقة لقول الحقيقة يا صديقي، بهذه الكلمات وصفت الممثلة الأميركية من أصل عراقي ياسمين حناني دورها في فيلم معركة من أجل حديثة، وعلى الرغم من أن حقائق الحرب الأميركية الفادحة في العراق هي آخر ما يفكر فيه الساسة في واشنطن، إلا ان لصناع السينما في هوليوود قول آخر.نقطة
لقد أتيح لي في الأسابيع الأخيرة مشاهدة أكثر من فيلم أميركي عن العراق، أوّلها كان (في وادي إيلي) للمخرج بول هيجس، الذي أثار ضجة كبيرة في مهرجان فينيسيا الأخير، ثم فيلم (علامة قابيل) للمخرج الأنجليزي مارك موندن الذي يتناول فيه آلية فقدان الجنود الذين خدموا في العراق لأنسانيتهم، ثم الفيلم الوثائقي للصحفي والمحلل السياسي وخبير الإلكترونيات الأميركي جارلس فيرغسون (لا نهاية في الأفق) الذي يتناول فيه ألاعيب السياسة في البيت الأبيض وكيفية اتخاذ القرارات الخطيرة فيما يتعلق بالعراق، ثم فيلم (منقح) للمخرج بريان دي بالما الذي يتناول فيه جريمة اغتصاب الشابة العراقية عبير قاسم حمزة في مدينة المحمودية العراقية على يد ثلة من الجنود الأميركان، قبل أن يقتلوا جميع أفراد عائلتها ويحرقوا جثتها في محاولة لإخفاء جريمتهم، وأخيراً فيلم المخرج نك برومفيلد الكبير (معركة من اجل حديثة)، وهو موضوع رسالة إلكترونية تلقيتها من بطلته الممثلة العراقية الشابة ياسمين حناني، التي لم يسبق لها أن رأت العراق، وبالكاد تتكلم العربية، وهي مولودة في الثمانينات من القرن الماضي، ومن عائلة مسيحية هاجرت إلى الولايات المتحدة منذ الأبعينات، إلا أن كل هذا لم يمنعها من أن تصنع ثلاثة أفلام وثائقية عن العراق المنتهك، هي على التوالي، (صوت العراق) في العام 2004، و(بلدي بلدي) في العام 2005، ثم (دماء أخي) في العام 2006، وفوق هذا وذاك مثلت العراق في مسابقة ملكة جمال أسيا وحملت لقب مس إراك في الولايات المتحدة بشكل طوعي، ليس حباً باللقب، تقول ياسمين، بل من أجل التعريف بقضية العراق وحجم الفضائع التي حدث هناك، وأخيراً نجاحها الفذ في فيلم معركة من أجل حديثة وتحريضها المخرج الأميركي المعروف نك برومفيلد على صناعته ولعب دور البطولة فيه بتجسيدها لشخصية ( ) تلك الفتاة العراقية القوية التي تنقذ طفل لا تعرفه من المجزرة التي ارتكبها الجنود الأميركان وتفقد عائلتها وحبيبها، ولطالما أدهشتني لهجتها العراقية في الفيلم، وتحديداً لهجة أهلنا في المنطقة الغربية.نقطة
ترى ما هي الدروس المستقاة من كل ذلك؟ وكيف تسنى لفتاة عراقية بالأسم فقط، لا يربطها بالعراق سوى اعتزازها بجذورها، أن تفعل ما تعجز عن فعله مؤسسات كاملة تنفق عليها الملايين سنوياً ويتبجح أصحابها بحبهم للعراق (العظيم)! أعني ما هي الدروس التي ينبغي علينا تعلمها من جرءة بعض السينمائيين الأميركان على قول الحقيقة، في الوقت الذي تحجم فيه وسائل إعلامنا نفسها عن قول ذلك ؟نقطة
لم ينسحب تخاذل السياسي على المثقف عندنا في حين ترتفع أصوات السينمائيين الأميركان ويرشقون الحقائق عارية بوجه الجميع يا ترى؟ وما الذي قدمناه لقضية العراق في السينما؟نقطة
أعني تلك المأساة الكبيرة، لم لم تنتج فيلماً عراقياً واحداً بحجم فيلم (وداعاً لينين)
(مثلاً، أو (هوتيل رواندا) أو حتى فيلم الكوردي إيراني الأصل بهمان قبادي (السلاحف تستطيع الطيران) ؟ نقطة
لقد قدمت حزمة الأفلام الأميركية هذه الحرب على حقيقتها، واقترحت أكثر من طريقة مبدعة لقول الحقيقة، حسب رأي صديقتنا ياسمين، كما أنها أتاحت الفرصة لمجموعة من الممثلين العراقيين والعرب للظهور على خارطة هوليوود، او بمعنى آخر، وضعت العراق على خارطة السينما العالمية، وحتى لو إنها لم تفعل هذا كله واكتفت بتقديم ياسمين حناني فقط لكانت كفّت وأوفت.نقطة

حميد حداد:
تستضيف صالة "دي تفي باون" في مدينة لاهاي معرضا جديدا للفنانة العراقية عفيفة لعيبي، ويستمر حتى الثالث من مايو القادم وهو المعرض الخامس الذي تقيمه الفنانة في صالة دي تفي باون. حيث اعتادت الفنانة أن تقيم معرضا كل عامين تنفيذا لالتزامها اتجاه الكاليري، والفنانة لعيبي هي واحدة من الفنانات المعروفات في الأوساط الفنية الهولندية، ولها حضور لافت في المشهد الفني، يمكن ملاحظته من زخم الجمهور الذي زار المعرض على غير ما نراه في الكثير من المعارض التي يقيمها فنانون وافدون من خارج الوسط الفني الهولندي.نقطة
تقول الفنانة عفيفة لعيبي عن معرضها هذا "هو انجاز مر بفترات عصيبة، العملية الإبداعية ليست فقط، التزاما أمام المتلقي أو صالات العرض لإقامة معرض كل علم أو عامين، بل الالتزام أمام الذات يكون اكبر وأعمق وأهمية التجاوز هي المحك للفنان، وكل فنان يطمح إلى أن تكون الخطوة اللاحقة في مسيرته الفنية أفضل وابعد في تطوير وسائله، كانت عملية انجاز أعمال هذا المعرض مرهقة جدا مررت فيها في فترات عزلة ومعاناة كبيرة" قد تكون تلك المعاناة ضرورية كما يعتقد الكثير من النقاد في تعميق تجربة الفنان وصقلها وتوجيهها باتجاه التعبير الاشمل عن هموم الإنسان.نقطة
تتميز أعمال الفنانة لعيبي بصدقها في التعبير عن همومها الطافحة رغم البشاشة التي تميز ملامحها، وكل مواضيع أعمال الفنانة عفيفة لعيبي هي عن أناس لصيقي العلاقة بالفنانة. مع إمكانية انزياح كل لوحة إلى أن تكون بورتريتا شخصيا للفنانة نفسها، بشكل ما، لأنها تحمل شيئا من ملامح الفنانة نفسها. وهو ما اجمع عليه زوار معرضها الأخير. على الرغم من أنها تنفي ذلك. إلا أن الأمر أوضح من أي نكران، ويبدو أنها تعبر عن ذاتها بطريقة لا واعية، وذلك هو احد الشروط الفنية التي يصل إليها الفنان دون قصد مخطط له. وتفسير الفنانة الذي يقول أن كل وجه يعود إلى شخص ما هو قول صادق بطبيعة الحال إلا انه يخفي في داخله الدافع، أو المحفز الحقيقي لانجاز عملها. لكن الوجه الذي يطل علينا عبر إطار اللوحة، لا يستطيع أن يستدل على أصله، إلا إذا سلك طريقه خلال مكونات الفنانة لعيبي، الفنية والثقافية والنفسية.نقطة
تنتمي أعمال الفنانة لعيبي إلى جذورها التي تمتد عميقا في تربة مدينة البصرة، وبيئتها التي تملكتها في سنين طفولتها ويفاعتها. فيما انضج تلك الأعمال الترحال في العديد من البلدان، كاليمن وروسيا وايطاليا وأخيرا في هولندا. غير أن تجذرها هذا لم يجعل من أعمالها محاكاة فولكلورية لما تحمله في مخيلتها من مشاهد من مدينتها البصرة التي غادرتها وهي في الثانية والعشرين من العمر، تقول الكاتبة والناقدة فاطمة المحسن عن تجربة الفنانة عفيفة لعيبي الفنية "تميزت عفيفة لعيبي عن غيرها بابتعادها عن الفولكلور وشرطه الاجتماعي، فليس بمقدورنا الإمساك بهوية محلية للمرأة التي ترسمها، فهي تزيح كل ما هو عارض لتبقي الجوهر في تساميه ولا زمنيته" واعتنائها بهذا الجوهر الذي أحالها إلى كائن داخلي لا يعبه بالقشرة الطارئة، وعنايتها بتفاصيل عملها ما هو إلا عملية تأثيث روحية، بفخامة كلاسيكية ظاهرة لكنها تنتمي إلى زمنها من خلال ابتعادها عن أي مسميات أو تجنيس، يتضح ذلك من نظرات شخوص أعمالها المتطلعة إلى الخارج، وكأنها تتوق إلى المطلق، وهي تحمل هما إنسانيا خالصا. أتاح للفنانة تجاوز ذاتها في التعبير عن مفردات محدودة تفرضها عليها التربية والبيئة، العراقية، للدخول في عالم أرحب هو عالم الإنسان دون حدود تجنيسية واستطاعت أن توحد انطباعها عن ذلك الإنسان بوصفه واحدا ويعاني نفس المصير، ذلك هو جواز مرورها إلى المشهد الفني الهولندي، لتحقق مكانة خاصة بها، وعندما تتحدث عن وجودها الفني ضمن هذا المشهد نرى أنها تعي تماما تفاصيل المشهد وتعرف جيدا حدود المساحة التي تشغلها وسعيها إلى توسيع تلك المساحة، والتحرر من ضغوطات العمل من اجل العيش "المشهد الفني الهولندي يعيشه ويمارس العمل ضمنه ألآلاف من الفنانين وكل فنان مشغول بمشروعه الشخصي وقد يكون هذا المشروع ذات أبعاد مختلفة ومتشعبة وأنا واحدة من هؤلاء، طموحي الوحيد هو أن تكون لوحاتي بالمستوى الذي اطمح أنا إليه شخصيا وان أكون بعيدة عن الرسم من اجل لقمة العيش أو أي ضغوط أخرى". لكن هل بالإمكان التحرر من كل الضغوط والتوحد مع اللوحة بوصفها غاية عليا وليست وسيلة للعيش، هناك علاقة جدلية بين أن تكون اللوحة غاية أو تكون وسيلة والتداخل بين الاثنتين يعايشه الفنان مرغما في عالم لا يتيح له خيارا مطلقا ولا بد من الرضوخ إلى واقع مرير وحتمية أن يعمل الفنان ضمن معطياته. وعزاء الفنان في ظل تلك المحددات، هو الانغماس في العمل الفني كتعويض عن خسائر هائلة، لذلك فان اشد ما يعانيه الفنان هو الاستخفاف بالعمل الذي يمثل عصارة مبدعه تقول الفنانة لعيبي في هذا السياق "العملية ألإبداعية هي عمليه مرهقه و تدفع بالفنان إلى العزلة وأحيانا كثيرة تعمق لديه الشعور بالوحدة والانعزال ومعاناة دائمة وصراع نفسي وروحي وعقلي مرير".نقطة
