تعلمن ... نقبلك !
بقلم أسعد جابر*
يمكننا اعتبار التعددية الثقافية التي يمتاز المجتمع الهولندي بها منذ القدم ، الموضوع الأكثر حضورا في الخطاب الهولنديّ، سياسيّا وثقافيّا ومجتمعيّا، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو خفيّ ، في الأزمات أو في حالات الهدوء النسبيّة . لنأخذ مثلا ثلاثة كتب صدرت مؤخرا، متناولة حياة الفيلسوف الهولنديّ الذائع الصيت باروخ سبينوزا وفكره، وقام بعرضها والتعليق عليها في جريدة NRC ميخيل ليزينبيرخ Michiel Leezenberg تحت عنوان رئيسيّ : كيف نستخدم سبينوزا ! وآخر فرعيّ : نظرة معاصرة على مفكّر ذي جذور يهودية – إسلاميّة ! ثم شرع بالتعريف بسبينوزا قائلا : إنه مهاجر من الجيل الثاني . نجح في صراعه مع مجتمع البحر المتوسط المتديّن المتزمّت : يكاد سبينوزا يكون مثالا يُحتذى من قبل أبناء المهاجرين الحاليين " .. إلى هنا والكلام جميل لا عيب فيه ولا تثريب لكننا عندما نتعمق في حياة سبينوزا ونعرف أنه وُلد في أمستردام عام 1632 لعائلة برتغالية يهودية، تلقى تربية متزمتة دينيا فدرس التوراة والعبرية والتلمود وفلسفة الأديان، مما جعل طبيعته الناقدة وتعطشه للمعرفة تقوده إلى التصادم مع مجتمعه اليهودي الأورثوذكسيّ، فقد جهر بالقول بأن الله كامن في الطبيعة والكون وبأن النصوص الدينية ما هي إلا استعارات ومجازات هدفها التعريف بطبيعة الله . عام 1656 نبذه أهله ولفظته الجالية اليهودية ورفض الكاثوليك والبروتستانت آراءه وحاول أحد المتعصبين طعنه . كسب قوته بالعمل في صقل الساعات ورفض كرسي أستاذ الفلسفة في جامعة هايدلربغ لأنها اشترطت عليه عدم التعرض للسلطة الدينية . بعد موته بعام، أي عام 1678 صادرت الدولة الهولندية كافة كتاباته وأصبح اسمه مرادفا لكل ما هي سيء لدرجة أن اسمه حُرّف ليصبح " باروخ الملعون " . ما أريد إضافته هنا هو أن المجتمع الهولندي قائم على الفصل بين الدين والدولة أي أن الوضع يختلف عمّا كان علية أيام سبينوزا ..فالحرية الدينية مكفولة ولا أعتقد أن الاحتفاظ بها أو تركها يسهل عملية الاندماج إذ لماذا لم يُحرك أحد ساكنا عندما قامت الدنيا ولم تقعد حين ذكر أشهر الإعلاميين الإنجيليين كنيفيل أنه لا يؤمن بحرفيّة قصة " الخلق " التي وردت في التوراة ! أما النقطة الثانية فهي الاحتفاء الذي كان العام الماضي بمناسبة مرور 500 عام على ولادة يوهانس كالفاين المصلح الكنسيّ الذي ناهض تعاليم الكنيسة الكاثوليكية في تصويرها الإله .. لقد كان احتفاء شاملا بذكرى رجل كان تأثيره في هولندا قويا لسنوات خلت في كافّة نواحي الحياة التي اتسمت بالتقشف والاعتدال .. أما النقطة الثالثة فهي الاستفتاء الذي كانت أجراه مركز الأبحاث " سين و جيم " العام الماضي وأظهر أن 51% من المستفتين قد أجابوا بأنهم يولون العناصر الدينية في عيد الميلاد أهمية كبرى..! وأخيرا منذ 11 سبتمبر والساحة الهولندية مفتوحة أمام تيارين تيار قومي نشاهده في البرامج التليفزيونية المتعددة التي يتكرر فيها اسم هولندا علاوة على العديد من الكتب التي تتناول التاريخ الهولندي، وآخر ديني نراه في الاستفتاء المذكور أعلاه وفي صعود تأثير التيار الديني في الائتلاف الحكومي الحالي .. كل هذا جميل ورائع .. فلماذا يُطلب من المهاجر الأجنبي الانسلاخ عن عقيدته وجذوره وكأن هذه هي العقبة الوحيدة في طريق الاندماج مع أن في المجتمع ما يكفي من الإشارات أنه منقسم ما بين القومية والتدين ... عجبي ! * مدرس بجامعة ليدن
|
|
|
|