نائب رئيس الحكومة ووزير المالية في لقاء مع "المصير"
فاتور بوس: لا مناص من إجراء صياغة جديدة لنظرية "التسامح" الهولندية
خالد شوكت
يعد "فاتور بوس" نائب رئيس الحكومة الهولندية و وزير المالية واحدا من ألمع الوجوه في الحياة السياسية الهولندية، حيث اختير السنة الماضية أفضل سياسي هولندي لنجاحه في لجم الأزمة المالية العالمية والحد من تأثيراتها السلبية على الوضعية الاقتصادية في بلاده. و على الرغم مما تحمله عمليات سير الآراء من مؤشرات سلبية للحزب اليساري الهولندي الأكبر، يظل بوس الرجل الذي قاد حزب العمل سنة 2006 إلى أكبر انتصار في تاريخه على مستوى الانتخابات البلدية، وهو إلى ذلك أحد أبرز وجوه ما يسمى بالطريق الثالث، إلى جانب بلير و كلينتون و شرودر، ممن حاولوا إعادة بناء الاشتراكية الديمقراطية على نحو يتفق مع متطلبات عصر العولمة و اقتصاد السوق. في حوار مع "المصير" ظهر يوم الخميس 28 يناير 2010، قال الوزير الهولندي البارز أن الحياة السياسية الهولندية تدفع باتجاه تبني صياغة جديدة لقيمة التسامح التي اشتهرت بها تاريخيا، فقد كانت القاعدة القائمة قبل سنوات داخل أجهزة السلطة هي " لا أرى لا أسمع لا أتكلم" مادام الظاهر لا يوحي بما يعكر الصفو العام، لكن حادثتي القتل اللتين أوديا بحياة السياسي "بيم فورتاون" و " تيو فان خوخ" فرضتا التفكير في أهمية تطوير مقاربة التسامح على نحو لا يضر بالمسار التقدمي الذي اشتهرت به هولندا فيما يتصل بالتعددية الثقافية والحريات، و يحول في نفس الوقت دون تراكم الظواهر السلبية بطريقة تقود في نهاية الأمر إلى الانفجار. و أضاف بوس " أن التيارات والأحزاب الراديكالية، خصوصا أحزاب اليمين المتطرف، كانت المستفيد الأكبر من حادثتي القتل المشار إليها، و أن هذه الأحزاب سواء أكانت يمينية أو يسارية، هي ذات طبيعة احتجاجية و لا تملك برامج حقيقية لتغيير الواقع، و أن المصوتين عليها لا يمكن اعتبارهم أنصارا لها، بالقدر ما وجدوا في هذه الأحزاب وسيلة لإبلاغ رسالة غضب لأحزابهم التقليدية". و بدا الزعيم الاشتراكي الديمقراطي الهولندي، طيلة اللقاء شديد الإعجاب بالرئيس الأمريكي باراك أوباما، حيث ما انفك ينوه بسياساته وخطواته الحكمية كلما سنحت الفرصة. ومما قاله بوس بهذا الصدد " أن الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس أوباما قد أضحت أكثر تقدمية على مستوى السعي إلى لجم جماح اقتصاد السوق وإضفاء صبغة اجتماعية عليه، قياسا بما هو عليه شأن الاتحاد الأوربي، معددا مشاريع قوانين تتعلق بتحديد نسب الملكية والحد من الاحتكار وفرض قيود على الحركة المالية والبنكية". في السياق نفسه، عبر فاوتر بوس عن نقده لزملائه في قيادة ما عرف في صفوف الاشتراكيين الديمقراطيين بالطريق الثالث، إذ لم يتردد في وصف سياسات كل من بلير وكلينتون و شرودر بالسذاجة السياسية، التي عولت على تفهم تلقائي لحركة رأس المال لمتطلبات السلم الاجتماعي، وهو ما ثبت عدم واقعيته بميل الرأسمالية الطبيعي للتوحش في حال غياب القوة الرادعة، المتمثلة في الدولة. وهو ما يحاول الرئيس أوباما اليوم تعديله ما استطاع، مثلما أشاد الوزير الهولندي. على صعيد السياسة الهولندية، قال نائب رئيس الحكومة الهولندية، أنه لأول مرة في تاريخ الحكم يضطر الائتلاف الحاكم ( يضم إلى جانب حزب العمل، الحزب الديمقراطي المسيحي وحزب الاتحاد المسيحي)، إلى مراجعة وتغيير البرنامج الحكومي مرتين، استجابة لمتغيرات السوق والحالة الاقتصادية و إكراهات الأزمة المالية العالمية. وقال بوس أن الحكومة الهولندية مضطرة لاتخاذ إجراءات تقشفية توفير ما يقارب 140 مليار يورو خلال السنوات القليلة القادمة، وهو ما سيخلف بلا شك آلاما للشرائح الاجتماعية المختلفة، لا بد من تحمله لضمان توازنات الاقتصاد الهولندية المستقبلية، مشددا على إجماع كافة الأحزاب السياسية اليسارية واليمينية، في الحكم والمعارضة، على صعوبة الحالة و ضرورة إجراء إصلاحات مهما كانت مؤلمة، نافيا في الوقت ذاته أن يكون حزبه العمل معرضا لدفع ثمن هذه السياسة، أكثر من شركائه. وفي معرض رده على سؤال يتعلق بأزمة دبي، ذكر وزير المالية الهولندي أن المؤسسات الاقتصادية والمالية الهولندية، سواء التي تعمل على الأرض في دولة الإمارات العربية المتحدة، أو المستثمرة في صناديق الإمارة المتأزمة، قد خسرت ما يقارب 250 مليون يورو في تقدير أولي، وأن حكومته تعمل على التخفيف من هذه التداعيات على الاقتصاد المحلي، كما تسعى إلى توفير ضمانات أكبر للاستثمارات الهولندية في منطقة الخليج العربي.
|
|
|
|